Home مدونات الحرب لاعب يجلس على دكة الاحتياط

الحرب لاعب يجلس على دكة الاحتياط

0 second read
0
0
الحرب على غزة

تويتر – دراسات

أطلس للدراسات

التصعيد المدروس المترافق مع حراك شكلي من دولة الاحتلال، في محاولة لاحتواء الحراك الفلسطيني الغزي لرفع الحصار والالتفاف عليه أو إجهاضه أو ردعه، الذي استمر لأسابيع، هذا التصعيد – كما رأينا – انتقل من شكل لآخر، واختلفت أدواته ووتائره باختلاف أهدافه الموضعية المحددة بحكم اختلاف الأدوات الفلسطينية، فظلّ الاحتلال يحافظ على رد الفعل بهدف العودة للمربع الأول القائم على فرض الهدوء كاستجابة اضطرارية للردع، فبدءًا من القتل الجماعي أيام الجمع إلى التصعيد بالقصف ثم إلى ملاحقة واستهداف مطلقي الطائرات الورقية عبر الوسائل التكنولوجية ثم بقصف الوسائل التي يستخدمها من يزعم بأنهم المسؤولون عن التحريض على إطلاقها، كقصف الدراجات وبعض المركبات، وقصف بعض المراكز الميدانية الصغيرة والتهديد بالتصعيد أكثر وصولًا إلى الاغتيال، والكثير من إطلاق رسائل التهديد.

لكن الاحتلال اختار، الاثنين الماضي، تصعيدًا مختلفًا، وعلى جبهة أخرى؛ حيث قرر تشديد الحصار، في خطوة تصعيدية مفاجِئة من حيث نوعية الأداة، مبررًا القرار بالرد على استمرار إطلاق الطائرات الورقية الحارقة، مفاجِئة لأنه اختار أن يشدد الحصار رغم أن كل الحراك يستهدف رفعه أو تخفيفه، ورغم أنه يقرّ بأن الحصار – حتى قبل تشديده – هو حصار خانق، وأن الحصار والظروف المعيشية في القطاع تشكل العامل الرئيس للتوتر المهدد بالانفجار.

شكليًا، يبدو وكأن إسرائيل اختارت التصعيد الكلي وأنها لا تخشى نتائجه، مثلما اعتبرته الفصائل بأنه بمثابة إعلان حرب على القطاع، لكننا نعتقد بأن نتنياهو وأركان عصابته أرادوا أن يرسلوا أكثر من رسالة بهذا القرار التصعيدي.

أولًا: أنها لا زالت لا تريد الحرب، فاختارت تصعيدًا غير قاتل يمكن احتواءه، ولا يلحق أضرارًا جدية لا رجعة عنها في ظل أن معبر رفح يعمل وتدخل منه بعض المواد، وأن قرارها محدود زمنيًا ومراقب من قبل الجهات المسؤولة، فمن بين كل الخيارات اختارت شيئًا مختلفًا ولم تمضِ في طريق التصعيد ضد مطلقي الطائرات الورقية، رغم إن هدف إغلاق المعبر بوجه بعض البضائع ردع هذه الطائرات.

ثانيًا: أنها لا تحتمل المزيد من التصعيد الفلسطيني، لا سيما المتمثل بالطائرات الحارقة، وأنها باتت تحت تأثير الضغوط الداخلية مضطرة للتحرك بجدية لوقف هذا الحراك الفلسطيني.

ثالثًا: أنها جادة في تهديداتها، ولم تعد تخشى أو تتهرب من الحرب، التي باتت خيارًا غير مستبعد.

رابعًا: رسالة تصعيد تفاوضي تحمل طابعًا هجوميًا، ويبدو أنها جاءت ردًا على مطالب الفصائل الفلسطينية، وردًا على رفض الفصائل لبعض المبادرات التي نُقلت إليها، فأراد الاحتلال أن يظهر عنجهيته، وأنه ليس فقط غير مستعد لتقديم تنازلات كبيرة؛ بل إنه جاهز لزيادة التصعيد وزيادة الهجوم، وأنه يتصرف وفقًا لمنطق من يمتلك القوة ويشعر نفسه منتصرًا، وأن على الفلسطينيين أن يتواضعوا أكثر في مطالبهم ويتجاوبوا فيما يُعرض عليهم ولا يضيعوا الفرصة.

ومع كل تصعيد فإن التساؤل الذي يصبح دارجًا على لسان الغزيين “لوين رايحين؟ هل نحن أقرب إلى الانفراجة أم إلى التصعيد وإلى الحرب؟”، وبحكم تعقيدات الأوضاع في القطاع وشدة ترابطها وحساسيتها وكثرة متغيراتها؛ فإن الانتقال فيها من أجواء التفاؤل إلى أجواء الانزلاق إلى التصعيد والحرب يتم بسرعة عالية، فقد ننام على تصعيد ونصحو على انفراجة والعكس صحيح، لكن وبمعيار النتائج والتجربة ومعرفة تعقيدات الواقع، فإن الانفراجات ظلت أسيرة المشاعر، والأجواء والرغبات التفاؤلية سرعان ما تتبخر، فاللاعبون كثر والمصالح متناقضة، ولكلٍ حساباته، واللاعب الرئيس في القطاع غير مستعد لتقديم تنازلات وغير قادر على فرض التنازلات على العدو، والانقسام يجهض ثمار كل حراك وكل تضحية.

ومن جهة أخرى، فإن نتنياهو وزمرته – الذين يشعرون بقدر كبير من العنجهية والغرور، وأكثر ما يرغبون به هو فرض الهدوء، وتحويل الانقسام إلى انفصال دائم، وإبقاء غزة مردوعة ومذعنة ولا تطمح لأكثر من تحسينات اقتصادية مشروطة بأثمان معروفة – مطوقون إسرائيليًا بأمرين: إطلاق سراح الجنود وعدم تقديم تنازلات كبيرة لحماس باعتبارها “كيانًا إرهابيًا”، وقد وصلت مناوراتهم ما بين التهديد بالحرب وما بين العلاقات العامة والرسائل تفاوضية عبر القنوات غير المباشرة إلى طريق مسدود، بعد أن استنفدت وقتها وأهدافها، في ظل تزايد الضغوط الداخلية الإسرائيلية بوضع حد للحراك الفلسطيني في القطاع؛ هذا كله يجعلنا نقف أمام منعطف، منعطف يضطر فيه كل طرف إلى اتقدم بخطوه تصعيدية للأمام، وحتى لا يستنتج كل طرف استنتاجًا مغلوطًا عن الآخر يشي بخوفه من التصعيد فيزيد هو من ضغطه وتصعيده، فتصبح الحرب خيارًا يتم استدعاؤه للجلوس على دكة الاحتياط، تحوطًا وتهديدًا، وإظهاره كخيار بات محتملًا.

وفي ظل هذا التسخين وهذا التعقيد، فإن كل خطوة مندفعة أو غير مدروسة يمكن أن تؤدي إلى تصعيد قد ينفتح إلى تصعيد متدحرج أكبر فأكبر، والتعقيد لدينا أكثر بكثير ممّا يبدو ربما، الأمر الذي يتطلب الكثير من الحذر والحكمة والمزيد من الانفتاح على المصالحة، فلا زالت هي قارب الإنقاذ الحقيقي الوحيد.

Load More Related Articles
Load More In مدونات

Leave a Reply