Home مدونات مدرس على رصيف كورنيش غزة وطفل طحنته الأيام يرويان حكايات الآلم!

مدرس على رصيف كورنيش غزة وطفل طحنته الأيام يرويان حكايات الآلم!

2 second read
0
0

بال تويت – غزة

بخطى متباطئة على رصيف شارع بحر غزة، أو ما يسميه الغزيون بالكورنيش، يقف رجلٌ يغزو البياض شعره الأسود على عجل، بابتسامة شفافة تزور شفاهه ومن خلفها حزن عميق تبدو ملامحه بشكل جلي، عمرٌ حقيقي قد يكون في الخمسينات، وعمر فوق العمر رتبه البؤس والآلام، وكثيرٌ من المعاناة التي تتربع على عرش كل قلب فلسطيني.

الأستاذ ( م.ط) أستاذ تربية رياضية في مدرسة ذكورية في قطاع غزة، لديه من الأبناء تسعةٌ ، إحدى بناته تدرس في الجامعة، بتكلفة لا يتمكن الأستاذ من دفعها، ولا يتمكن كذلك من الإيفاء بمصاريف المنزل والأهل.

عمل ( م.ط ) في سلك التدريس منذ عام 1992، وهو من موظفي السلطة، ورغم الانقسام والأوضاع السيئة التي مر بها القطاع إلا أنه مكث على رأس عمله .

يتقاضى جزء من راتبه حالياً، ولا يعرف إن كانت طائلة التقاعد التي تفرضها السلطة ستطاله، أم أنه سيستمر حصوله على الراتب المقطوع فهو بين المطرقة والسندان كما ذكر .

بعد المعاناة من الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتي فرضت ألامها على أبناء الشعب الفلسطيني على وجه العموم، وعلى الموظفين على وجه الخصوص، قرر ( م.ط ) أن يشتري لعبة الترامبولين، وهي المتعارف عليه (النوطنيطة) في غزة، وذلك حتى يتمكن من إيجاد مصدر دخل مكمل لدخله البسيط الذي تقاضاه من مهنة التدريس، وذلك حتى يسد الرمق على حسب وصفه.

بعيون يملئها الأسى قال ( م . ط) ” أنا عندي بنت بالجامعة ما بقدر أكمللها قسط الجامعة، شريت هادي اللعبة وبحاول أحط الشيكل ع الشيكل، تداينت 1800 $ حتى الآن والله المستعان في السداد.”

لم يختر ( م.ط ) لعبة الترامبولين بشكلٍ عبثي، بل عن دراية بفوائد هذه اللعبة للأطفال.

فقد ذكر أن هذه اللعبة آمنة للأطفال، حيث لا يوجد بها حديد أو ضرر يؤثر بشكل سلبي، لكن بها زمبرك مغلف بإسفنج ، لها مدخل ومخرج ومحاطة بسياج شبكي لحماية الاطفال، ويستفيد منها الطفل بدنياً ونفسياً وعقلياً، فتزيد له سعة الصدر، وتقوي عضلات قدماه، ويصبح الطفل اجتماعيا، من خلال تعارفه على أطفال آخرين.

وفي أملٍ لا يدرك مدى قربه من تصديق عقله قال (م.ط): “بتمنى ان الكل يتصالح فعلا، بتمنى الشباب يشتغلو، في شباب فش شيكل بجيبهم، الشباب نفسهم يتزوجوا ومش قادرين، حلونا خلينا نعرف نعيش اتقو الله فينا يا مسؤولين، خلينا كويسين مع بعض عشان نكون أفضل شعب في الدنيا ،أنا اللي شهر ما دخلت لقمة كويسة ع بيتي اتقوا الله فينا”.

حال هذا الاستاذ هو حال الكثيرين من الشباب في قطاع غزة، ولو مررنا بخطى متسارعة على الكورنيش كمثال بسيط، سنجد المهندس و المعلم و الممرض على بسطات متنوعة على طول الرصيف.

لم تتسارع الخطى بعد ذاك الحوار سوى أمتار معدودة، حتى صدر صوت يكتسي الشاطئ، صوت تظهر عليه معالم الطفولة، صوت لم تكتسي شوارب الرجولة ملامحه بعد … ” تشتري مني بنطلون بنص شيكل بس ”

( ج .س ) هو طفل يتنقل على الطاولات التي تتوزع بشكل بسيط على الشاطئ، يحمل بيده بعض البناطيل التي تصلح لطفل لا يتجاوز الأشهر الستة، ويعرض هذا البنطلون بسعر نصف شيكل، يساعده في البيع إخوة له أربعة أكبر منه في العمر، لا يتجاوز أكبرهم ستة عشرة عاما.

كان ( ج .س ) هو المتحدث باسم اخوته، يذهبوا الإخوة الخمسة إلى الدوام في الصباح الباكر، وحتى الساعة الثانية عشر ظهراً، ويتوجه للبيت لتناول بعض لقيمات متواضعة، ثم إلى العمل وحتى الساعة الثامنة مساءً، حيث يتقاضى كل منهم عشرة شواكل يوميا، في حال باع الكمية المتفق عليها مع التاجر صاحب البضاعة.

ذكر الطفل أن البضاعة التي يبيعوها بين الناس، تعود لتاجر أعلن إفلاسه بعد تردي الأوضاع الاقتصادية في القطاع، يعطي هذا التاجر البضاعة للإخوة حتى يتمكن من الإفلات من قبضة الشرطة والدائنين بعد أن بتمكن الإخوة الخمسة من بيعها.

أوضح ( ج.س ) أن ما يكسبوه من بيع البضاعة يضعونه في يد أبيهم المصاب بركبته بسبب خروجه للمواجهات على الشريط الحدودي لغزة، ويجاهدوا أنفسهم لتكون هذه القروش البسيطة كافية لأطول فترة ممكنة.

و أفاد الطفل: (حياتنا صعبة كتير بس ما في اشي بإيدنا نعملو غير الصبر، الطبخة اللي بدها قالب ماجي بنحط نص، واللي بدها ب 5 شيكل بهارات بنحط ب 2، الجاج بنشوفوا مرة بالشهر بنجيب جاجتين ل 12 نفر، الوضع كتير صعب).

بدعوات صادقة أن يفرج الله كرب هذا الشعب البائس ختم الطفل حواره راجٍ من الله فك الحصار وتحسن الأوضاع على هذا الشعب المتضرر.

حياة شائكة يعانيها كل من قطن خلف السياج الفلسطيني، آلام متجددة، نيرانها لا تنطفئ، كلما اقترب منها المطر ليخفف لهيبها، واحتراقها، يضرم الانقسام نيرانها أكثر فأكثر، لكن دون جدوى ولا بصيص أمل في الأفق.

تقرير : نيفين السوسي

Load More Related Articles
Load More In مدونات

Leave a Reply