Home إعلام جديد “فيسبوك”: موقع للتواصل الاجتماعي أم فقاعة تغلف عالمنا الخاص؟

“فيسبوك”: موقع للتواصل الاجتماعي أم فقاعة تغلف عالمنا الخاص؟

6 second read
0
0

كتب : على سيد علي

بشكل شخصي لا أفهم بعض المنشورات على ذلك “الجدار الأزرق“، كأن يتعرض أحدهم لجرح سطحي فينشر صورة لإصبعه المغطى بالدماء

مات خالي، فنشرتُ نعيًا على صفحتي بموقع “فيسبوك“، ثم أتبعته بمنشور آخر، شكرتُ فيه من واساني من الأصدقاء، واعتذرتُ لآخرين عن حماقات ارتكبتها بمنشورات سابقة، وبدأتُ أعيد النظر في علاقتي بذلك الموقع. What’s on your mind هكذا يسألك الموقع، بمجرد أن تفتح حسابك به. قد لا تلتفت أساسًا إلى سؤاله، وتبدأ في ممارسة نشاطك المعتاد، تترك إعجابًا هنا أو تكتب تعليقًا هناك. تشارك بصورة حديثة لك أو لأحد من أحبائك، أو تعلن مرضك أو مرض من تحب، وتدعو له بالشفاء. تشتبك في قضية مثارة وتدلي فيها برأيك، وقد يدفعك تعصبك إلى التقليل من مخالفيك والسخرية منهم، بل وسبهم في بعض الأحيان. تفعل ما يخطر على بالك، مثل الكثيرين من رواد ذلك الموقع الموصوف بـ”التواصل الاجتماعي.”

إذا كنت مثلي، تدقق في السؤال، وتبحث في ما وراءه، ستقف قليلًا لتتساءل: ماذا سيفيد التواصل الاجتماعي إذا ما أفصحت عما أفكر فيه لحظة استخدامي له؟ لو أنني مشغول بحضور مسرحية جيدة، ربما كان الأمرُ مفيدًا لغيري، لعلني أساعده على قضاء وقت ممتع. لكن، ماذا لو كنتَ تشعر باليأس وتفكر في الرحيل من وطنك، هل تجيب على السؤال، وتتقيأ ما يدور في ذهنك، فتلعن البلد الذي نشأت فيه، ثم يقرأ منشورك صديق في قائمتك لا يزال يُكمل دراسته الجامعية، يملأه الأمل في بلوغ حلمه بعمل لائق وتأسيس أسرة سعيدة. كيف سيكون أثر منشورك على الصديق، وهل يُعد ذلك تواصلاً اجتماعيًّا رحيمًا؟ دعك من الشخص الحالم ذاك. ماذا كان يدور في بالك عندما التقطتَ صورة لعشائك في مطعم فاخر، بماذا كنت تفكر وأنت ترفع صورة أطباق الطعام، ألم يخطر على بالك أنه ربما يكون أحدهم يشعر بجوع بسبب ضائقة مالية أو مرض أو سفر، أو لأي شيء آخر، وتؤذيه الصورة.. أين الرحمة؟

جلافة أم سوء تقدير.. الرحمة تختفي والطاقة السلبية تسود

بشكل شخصي، لا أفهم بعض المنشورات على ذلك “الجدار الأزرق” كأن يتعرض أحدهم لجرح سطحي من سكين أثناء تقطيعه سلطة، فينشر صورة لإصبعه المغطى بالدماء. الجرح شيء مؤلم بالفعل، ولا يمكن التقليل منه، حتى ولو كان سطحيًّا. ورؤية الدماء، تفزع ناظريها حقًّا، حتى ولو كانت نقطتين. لكن التصرف الطبيعي في مثل تلك الحالة، بعد احتمال الألم وامتصاص الفزع، غسل اليد من الدماء، ثم استخدام قطن ولاصقة إذا استدعى الأمر، وبعد ذلك يأتي أي شيء آخر.

لا يمكن تبرير ذلك الضعف الإنساني إلا في سياق الإدمان الذي يقود إلى الجنون، ومن ثم نشر أشياء شاذة، يعتقد صاحبها أنها ستثير عطف أصدقاء الموقع، فيحصد، من ورائها، عددًا كبيرًا من علامات “لايك” ويحظى بتعليقات لا بأس بها

ربما كنت تمر بمرحلة “عدم توازن داخلي” تشعر فيها بالضعف وتحتاج إلى الدعم، ما يدفعك إلى نشر صورة إصبعك مربوطًا، بل وتشرح كيف كنتَ غارقًا في التفكير بهمومك، أو هائمًا سابحًا في ملكوتك، عندما فلتَ حدُّ السكين مخترقًا جلدك. كل ذلك مقبول، وأتفاعل معه بـ”ألف سلامة” لكن ما لزوم الدم يا صديقي. لماذا لا ترحم مشاعري حتى أقدر ضعفك؟ لعلها ظاهرة يختص بها أغلب سكان الدول العربية من مستخدمي “فيسبوك” إذ يواصل الواحد منهم إرسال طلبات صداقة لأشخاص لا يعرفهم، ويوافق على طلبات أخرى لشخصيات مجهولة له، حتى يتخطى عدد الأصدقاء في قائمته حاجز الألفين والثلاثة، ويعتقد أن الجميع يتابعونه، ومن ثَمَّ يتنازل عن وقت طويل من يومه لقضائه على صفحته، يوزع “لايكاته” على منشورات الأصدقاء، منتظرًا معاملةً بالمثل، حتى إذا شارك بمنشور، لم يحصد عليه سوى “لايكات” قليلة، بدأت نَفْسُه الضعيفة تسأل: “أين الآلاف؟ من أنتم؟” ثم يكتب منشورًا يهدد فيه بحذف من لا يتفاعلون معه.

لا يمكن تبرير ذلك الضعف الإنساني إلا في سياق الإدمان الذي يقود إلى الجنون، ومن ثم نشر أشياء شاذة، يعتقد صاحبها أنها ستثير عطف أصدقاء الموقع، فيحصد، من ورائها، عددًا كبيرًا من علامات “لايك” ويحظى بتعليقات لا بأس بها. قد يصل لهدفه بالفعل، لكنه لا يعلم أن منشوره ذاك آذى كثيرين، نفسيًّا، حتى أولئك الذين تفاعلوا معه، بسبب ما يحمله من طاقة سلبية؟ ماذا عن الطاقة السلبية؟ الحديث عنها ورصد نماذج منها ربما احتاج لمؤَلف ضخم، فصل منه، مثلا، يتناول بالشرح، سلوك مدعي الانتحار في ذلك “العالم الأزرق” وتشريحه من الناحية النفسية. كاتب السطور، نفسه، سبق أن صدَّر طاقة سلبية دون أن يدري، مدفوعا بعراقيل حياتية، ضغطت عليه، وقادته لارتكاب حماقة في صورة منشور معدود الكلمات.

احذر الشعور بالظلم.. سترتكب حماقة

أثناء استضافته لي في شقته، أحكي لصديق يكبرني بسنوات عن أزمات تلاحقني منذ عودتي من نيويورك، وأعترف له بأن إحساسًا بالضياع يداهمني. يُهوّن الصديق علي الأمر، قائلًا: “كويس إنك رجعت لنا سليم” ويستشهد بسيرة شخص سافر إلى هناك وعاد مجنونًا، بعدما فقد اتزانه بتأثير صفعة تلقاها مما تسمى “الصدمة الحضارية.” ربما كان صديقي مبالغًا حينما وصف ذلك العائد بالجنون، لكنه على أية حال، قدم لي دعمًا معنويًّا كنت أحتاجه. شعرتُ بشيء من الطمأنينة والثقة في النفس، يصعب عليَّ وصفه، ويأتي على لسان البسطاء بصيغة: “اللي يشوف بلاوي غيره تهون عليه بلوته.”

هانت عليَّ مصائبي، لكن بعد فوات الأوان. تحملت أكثر من شهرين، لا أكتب شيئًا أو أضيف صورًا على حسابي بـ فيسبوك وفي النهاية انفجرت بـ”بوست” عددت فيه مصائبي من أصغرها إلى أكبرها، بل فعلت ما هو أسوأ، أرجعت الأمر إلى الحسد.. يا لها من طاقة سلبية. بعض المنتسبين للأوساط الثقافية يحلو لهم، مهاجمة المعتقدين بوجود الحسد، والسخرية من فكرة ذكره في القرآن، برغم أنهم، هم أنفسهم، يتحدثون عنه بمسميات أخرى، كـ”النفسنة” والحقد، وغيرهما. وبعيدًا عن الاشتباك في معركة تافهة حول الميتافيزيقا، لم يكن من اللائق ذكر الحسد من الأساس، ومن ثم بث كل تلك الطاقة السلبية، لمجرد إحساسي بالظلم. شعوري بالظلم، مهما كانت مسبباته، لا يساوي شيئًا أمام ما تعرض له عبد الله وهو شاب في الثلاثين من عمره، صديق وجار، طلَّق زوجته التي يحبها بعدما سد عليه حماه كل طرق الرجوع. لا يزال صدره مستعرًا، حتى إنه كل صباح، بمجرد أن يفتح صفحته على “الجدار الأزرق” يكتب: “حسبي الله ونعم الوكيل” ثم يكررها بصيغ أخرى في الظهيرة والمساء.

هل أغلق حسابي وأريح وأستريح؟ فعلتها قبل سنتين، لمدة شهر، أنجزتُ خلاله كتابة رواية ورممت أثناءه علاقتي بأسرتي وانتصرتُ في نزاع قانوني مع مؤسسة العمل. كانت تجربة مفيدة على جميع الأصعدة. هل أغلقه الآن؟

من يتابع منشورات عبد الله دونما علم بتفاصيل قصته، سيصف صاحبها بـ”الموتور” وسيتجنب التفاعل معها باعتبارها طاقة سلبية منفرة، لكن المقربين منه، يقدرون ألمه على فراق زوجته وابنه ذي العامين، وينصحونه بالهدوء والتحمل. حما عبد الله ولكي يبرر إصراره على طلاق ابنته أمام أهل قريته، ادعى كذبًا أنه كان يساعدها بمبلغ مالي شهريًا، وأن زوجها مدمن على تناول الكحوليات، وكان يضربها حتى تسبب في إجهاضها، وغيرها من أكاذيب دفعت الصديق، مؤخرًا، إلى كتابة منشور، يفصح فيه عن رغبته بكتابة رواية، يتناول فيها شخصية حماه المتصابي، مهددًا إياه بفضح تسجيلاته الصوتية أثناء ممارسته الجنس مع إحدى المموسات.

نصحتُ الصديق: “لا تترك شعورك بالظلم يدفعك إلى ارتكاب حماقات.. ماذا سيفيدك إذا فضحت تصرفات حماك؟ وماذا سيكون تأثير ذلك على ابنته/ طليقتك، وأنت تسعى لإعادتها إليك.. هل سيساعدك فضحه في إعادتها أم سيعقد الأمور؟ اقتنع الصديق بالنصيحة، ووعدني بالكف عن التعريض بحماه على “فيسبوك وبالفعل نفذ وعده، لكنه لا يزال يشعر بالظلم، ولا يزال “يُحسبن.”

للنجاة.. اجعل صفحتك أداتك لا أداته

مات خالي، فسارع أقاربي في “العالم الأزرق” كلٌ على صفحته، ينشر نعيًا للفقيد. ارتبكتُ. كنت حينها أعيد علاقتي بهذا العالم. هل أفعل مثلهم؟ أليس الموقع للتواصل الاجتماعي؟ ثم فكرت في حماقات أرتكبها أنا وغيري على صفحاتنا، ولا تعد تواصلًا رحيمًا بأية حال، ومن ثم تنفي تلك الصفة عنه. هل أغلق حسابي وأريح وأستريح؟ فعلتها قبل سنتين، لمدة شهر، أنجزتُ خلاله كتابة رواية ورممت أثناءه علاقتي بأسرتي وانتصرتُ في نزاع قانوني مع مؤسسة العمل. كانت تجربة مفيدة على جميع الأصعدة. هل أغلقه الآن؟

كان الصديق عبد الله وقبل أن يُطلِّق زوجته، ويترك عمله في معرض السيارات، يطوِّع “فيسبوك” لخدمته، فينشر صورًا لأنواع مختلفة من السيارات، ويكتب عن مواصفاتها، بهدف الترويج. ليته يعود لعمله ولسيرته الأولى على “الجدار الأزرق” تلك السيرة ألهمتني الحل. فيما يخصني، أحسبُني “كاتبًا” لذلك أقدم نفسي بتلك الصفة على صفحتي بـ”فيسبوك” وأعلمُ أن فرقةً ناجيةً من زملائي الكُتاب، هم نُدرة، أغلقوا حساباتهم أو لم ينشئوها أصلا، بعدما حكموا عليه بأنه موقع لـ«الزيف الاجتماعي» وليس تواصلا. ربما وصلت لتلك القناعة الآن، لكن لماذا أغلقه؟

لماذا لا أتجاهل ذلك السؤال الغريب الذي يطالبي بالبوح بما أفكر، ولا أبالي بما يقال حول كون الموقع أكبر أداة للتجسس في العصر الحالي. لماذا لا أنسى فكرة التواصل الاجتماعي المزعومة تلك، وأجعله أداة لي تساعدني في عملي، فأروِّج عليه ما أكتبه، أنشر فقرات من كتاب أقرأه، أعمم مقالًا أتفق مع أفكار كاتبه، متجنبًا التورط في أية حماقات، هناك الكثير لأفعله لخدمة نفسي وغيري، دونما انتظار لـ”لايك” أو “شير” هي فقط، مثلما قال البطل صلاح الموجي (مواطن مصري تصدى لإرهابي ونزع منه سلاحه الآلي قبل مواصلة هجومه على كنيسة بحلوان) ردًّا على محاولات مغرضة لتشويهه: “خلصانة لوجه الله.”

Load More Related Articles
Load More By pal Tweet
Load More In إعلام جديد

Leave a Reply

Check Also

كيف تقرأ رسائل الواتساب من دون عِلم المرسِل

فلسطين تويت – وكالات جرّاء تذمّر العديد من مستخدمي تطبيق WhatsApp من تحوّل علامتَي ا…