Home مدونات قدراً غزياً أكثر من أنه خطأ فنياً ..

قدراً غزياً أكثر من أنه خطأ فنياً ..

10 second read
0
0

كتبت الصحفية : أسماء الغول

وجدت نفسي في عتمة تامة بسبب خطأ ارتكبته خلال استخدام الموقد الكهربائي في منزلي بمدينة تولوز الفرنسية، فقد انقطع التيار الكهربائي عن البيت بينما كنت أحضر طبخة “مجدرة” وكانت الساعة تجاوزت الثامنة ليلاً، أي أن كل جهة يمكن لي الاتصال بها لمساعدتي كوكالة السكن أو شركة الكهرباء قد أُغلقت. سلمتُ بأننا سنقضي الليلة بالعتمة، ووضحت ذلك لابني وابنتي شاعرة بالأسف لما سيجلبه الظلام من ذكريات بعد عام ونصف على خروجنا من مملكة العتمة “قطاع غزة” التي ينقطع التيار الكهربائي في أرجائها ليصل إلى عشرين ساعة يومياً في بعض الأشهر، أما بقية الشهور فقد تصل مدة القطع إلى 12 ساعة يومياً.

قمت بفتح الحاسوب المحمول لكي أتمكن من رؤية أرجاء منزلنا على ضوء شاشته، اتصلت مرة أخيرة بالشركة دون فائدة، حاولت العبث قليلاً بصندوق أمان الكهرباء ولا نتيجة، ويبدو أن مُشغل الكهرباء الرئيسي على ما يرام، خجلت أن أدق باب الجيران وشعرتُ أنه قدراً غزياً أكثر منه خطأ فنياً .لا، الحقيقة أنني ظالمة هنا وأبالغ، فهو خطأي بالأساس وليست لعنة غزة، فلا أحد يطبخ “المجدرة” بعد الثامنة مساءً.

كما يبدو أن هذا الموقد الكهربائي معتاد على العادات الفرنسية كأن تأكل أشياء سريعة التحضير، فلا ينفع مع المقلوبة والملوخية والمسخن والمسقعة وهلم جرا من بقية الأطباق الشرقية الثقيلة التي من شبه مستحيل طبخها دون أن يصل بعض الماء إلى الموقد. قررت بصحبة ابني وابنتي أن ننام بغرفة واحدة وعلى سرير واحد علّنا نتدفأ قليلاً و”نتونس” ببعضنا البعض، وكانت حولنا الهواتف والألواح الذكية لإنارة الغرفة هذه المرة.

ابنتي زينة (5 أعوام) تتحرك بين الغرف في العتمة مثل عصفور “الكركز” يبدو أنها لم تنسَ مهارة المشي في العتمة التي تعلمتها طوال سنواتها الأربع الأولى في غزة. قرأنا بعض القصص و”تخرفنا” تماماً كما كان يحدث في منزل عائلتي في غزة، مع فرق أنه لا يوجد صوت قصف أو هدير طائرة حربية تقترب.

هل هي لعنة غزة؟

نامت زينة ونام ناصر وبقيت وحدي أحدق بالعتمة، هذه اللحظة كانت الأكثر شبهاً بغزة كما لم تكن أي من لحظات شهور غربتي الماضية التي كنت خلالها أبحث فيها عن رائحة المطر معتقدة أنها ستقربني من أيام شتاء غزة، إلا أن الأمطار هنا خفيفة وليست ذات صوت أو رائحة، ولا تشبه ذاك المطر القديم في ذكراتي، لكن هذه العتمة وهذا التحديق في خيالات الظلام والجدار البارد بجانبي أرجعني إلى غرفتي بغزة.

أخذني الظلام من خارجي إلى داخلي ومن ثم رمى ما فيَّ أمام عيني، شعرت أن شخوص من ذاكرتي وغضبي تظهر أمامي ويتلطخ بها الظلام، بدأت كل القصص المختفية داخلي تزورني في هذه العتمة، وبدأت أنفعل، كانت لحظة العتمة هذه وكأنها نهاية العالم، شعرت أنني أريد الآن للتو واللحظة أن أرسل عدة رسائل عنيفة مليئة بالكراهية. أنه تأثير العتمة وشعورك بالنهايات إذ تبدو المشاعر مضاعفة، فهذا الظلام الصامت العابق بالخوف له تأثير موحش جدا لا تستقيم معه المشاعر والأفكار العادية، إنه مزيج من العنف والمبالغات الشخصية. شعرت أن الكون يبدأ وينتهي في هذه الغرفة، ووسط هذا الليل الحالك، شعرت أنني لست نفسي بتاتاًَ، بل أقيسها من بعيد، طارئة عليها وأراها من منظور موازٍ.

أعرف أن الليلة هي زائر وحيد سرعان ما سيغادرني، وستعود الكهرباء غداً وأنني بالأمس كنت أعيش بكهرباء أيضاً، فهذه طفرة من العتمة والمشاعر المهولة . لكن أتتخيلون حين تمتد هذه الطفرة إلى 12 عاماً من العتمة يعيشها مليونا طفل ورجل وامرأة، وقد عشتها معهم لعقد من الزمان إذ كانت كل يوم تتكثف داخلي هذه المشاعر وردود الأفعال المتطرفة دون أن أعي أنها بسبب العتمة، وكذلك آلاف غيري من أهالي القطاع الذين يعيشون بعتمة يومية، فكيف كانت قراراتهم ومشاعرهم ونظرتهم لأنفسهم وإلى محيطهم.

اكتئاب العتمة الجماعي

لا يدرك هذه المسألة إلا من خرج من القطاع، فطالما أنت داخله تبقى تحت تأثير شيء غير قادر على رؤيته، كالتنويم المغناطيسي أو كعطر العذراوات في رواية “العطر” لباتريك سوزكيند وما فعلته الرائحة بأهل المدينة، لكن ما فعلته بنا العتمة ليس فعل الحب، بقدر ما هو فعل الحسم؛ كل أنواع المشاعر الحاسمة بكل ما فيها من مبالغة سواء الحب أو الكره أو الترك أو البقاء، إنها تلك اللحظات التي تختار فيها أقصى الأشياء بتأثير انقطاع الضوء حين تكون وحدك، ولا تسمع سوى صوت الظلمة وأساك. إنه شيء من الممكن تسميته بسيكولوجيا العتمة.

فبعد أن تنتهي “الخراريف” والضحكات ويتجمع الغسيل، وينتهي موعد المسلسل، ولا تتمكن من الحديث مع أصدقائك في الغربة عبر الماسنجر، ستصيبك وستصيب غيرك حالة من الاكتئاب الجماعي سببها الظلام. هل هذا يعني أنه في آخر 11 عاماً ونصف بالتمام والكمال كانت تصرفاتي تحت تأثير العتمة وعبارة عن ردود أفعال؟ لست أدري، إلا أن ما أعرفه أن هذا كله اكتشفته وأكتبه الآن في لحظة عتمة في فرنسا تختلف تماماً عن لحظة عتمة في غزة مكررة آلاف المرات شهرياً. إنها لحظة يتيمة جعلتني أعرف الفرق بين رفاهية انقطاع تيار الكهرباء في فرنسا واجبارية انقطاعه في غزة لأجيال ممتدة، كيف يؤثر على أنفسنا، وعلاقاتنا وهويتنا وذواتنا.

بيد أنه رغم كل ذلك أعرف أن الناس تقاوم العتمة، وتقاوم ما تتركه من أثر الغضب والاكتئاب والحزن والكراهية. في غزة، اخترع الناس مئات وسائل التخلص منها بشكل تدريجي على مر تلك الأعوام منذ أن قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلية محطة الكهرباء في يونيو 2006. في البداية، كان “الشمبر” وهو مثل موقد منفرد يعمل بالغاز الطبيعي تضع في رأسه قطعة قماش حرارية تضيء مع إشعالها، وهذا القماش يتفتت وينهار إذا اصطدمت بالموقد أو حركته، ويا آلهي كم قطعة قماش حرارية انهارت في السنوات الأولى.

لاحقاً اختفى هذا “الشمبر” بعد أن أصبح هناك أزمة غاز وارتفع ثمنه، فبدأ الناس يتحدثون عن بطاريات السيارات ووصلها باللمبات والتلفزيون، وهكذا رويدا رويدا انتشرت البطاريات. وطبعاً هناك خيار المولدات الكهربائية بالبنزين والذي يكلف ثروة من المال في كل ساعة تشغيل، وراح ضحيته شهداء كثر أثناء تشغيله، وهناك ضحايا الشموع المستمرين طالما بقيت الشمعة الحل الأسهل والأرخص سعراً، إنهم شهداء الضوء، والآن وصلنا إلى اختراع اللمبات التي تضيء عبر شحنها بالماء.

وهكذا بقي الإنسان في غزة ناجياً من العتمة بشتى الطرق، يقاوم مصير الظلام، علَّ اللحظات التي اشترى فيها اختراعاً جديدًا ليهزم الظلام استطاع خلالها أن يرى ذاته جيداً، وأن يكون أنار فرحه وأطفأ حزنه الذي يبدو أن لا شيء يضيئه كما تفعل تلك “العتمة الباهرة.”

الراديو مؤنس العتمة وبائع الوهم

كم من مرات كان يلتحفني ذاك السواد الحالك وفكرت بعمق بكل شيء، معتقدة أنني مركز الكون وأن الكل يراني ويرى غضبي وأساي، ولكن الحقيقة أنني لم أكن أرى سوى نفسي وتضخمها، وكم هو مرعب أن يتكرر ذلك مع مدينة بأكملها أو مع قادتها على سبيل المثال. وهنا أتساءل؛ كم واحداً منهم اتخذ قراراً تحت تأثير العتمة، وكم منا راح ضحية اكتئاب العتمة. لربما يجب أن نشكر المناصب والمداخيل المالية غير العادلة التي تجعلهم يمتلكون المولدات الكهربائية طوال الوقت فلا يرسلوننا إلى الجحيم في لحظة عتمة ما، ولا أنكر أنه مع كل تلك المولدات أرسلونا في بضع مرات إلى الجحيم فيبدو أن العتمة تصبح ثقافة في لحظة ما، في عز الضوء والنهار.

كنت أحتاج عاماً ونصف من الكهرباء، ويوماً واحداً دون كهرباء، لاكتشفت مصدر آلام مليوني شخص لم أنتبه إليه يوما، فالشكوى من انقطاع الكهرباء أصبحت روتين اعتيادي، والعتمة جزء من الحياة، بل جزء من اللاحياة، ولا أحد منا يتساءل ما الذي فعلته بنا. احتجت عاما ونصف من غربة أنعم فيها بالكهرباء وحادثاً واحدا يقطع تيارها لأعرف كل هذا وأوقن أي هامش ذاك الذي كنا نعيشه ونحن نعتقد أنفسنا كل الكون كما كانت تعتقد الإذاعات المحلية حين كانت مؤنسنا الوحيد في أيام قطع الكهرباء تلك،

ليصبح هناك خطاب العتمة وإعلام العتمة وشعارات العتمة وكذب العتمة، فدوماً الحرب والعتمة والراديو كانت توائم سيامية متصلة في حواسي، فإذا جاءت العتمة جلبت معها الحرب والراديو وإذا جاءت الحرب التصقت بها العتمة متردداً في صداها الراديو. أي نهار ينتظرني غدا وقد علمت أني كنت مُسَيرة بالعتمة لسنوات كثيرة، يجب أن أصغي لنفسي جيداً، وأن أصغي إلى من يشبهني، إلى مدينة انقطع عنها الضوء منذ 12 عاماً، وحان الوقت أن نخلصها من حزنها وغضبها كي ترى نفسها لأول مرة. أشعر بالنعاس أخيراً، وكلي امتنان إلى هذا الموقد الكهربائي الحساس، وتشوقاً لأني سأكمل طبخة “المجدرة” في الصباح.

Load More Related Articles
Load More In مدونات

Leave a Reply